ابن الجوزي
150
صفة الصفوة
بلص في قلعة له فلما رآهما اللص ألقى اللّه في قلبه التوبة . قال : فقال في نفسه : هذا عيسى ابن مريم عليه السلام روح اللّه وكلمته ، وهذا فلان حواريّه ، ومن أنت يا شقي ؟ لصّ بني إسرائيل ، قطعت الطريق وأخذت الأموال وسفكت الدماء . ثم هبط إليهما تائبا نادما على ما كان منه . فلما لحقهما قال لنفسه تريد أن تمشي معهما ؟ لست لذلك بأهل ، امش خلفهما كما يمشي الخطّاء المذنب مثلك . قال فالتفت إليه الحواري فعرفه فقال في نفسه انظر إلى هذا الخبيث الشقي ومشيه وراءنا . قال : فاطّلع اللّه على ما في قلوبهما ، من ندامته وتوبته ومن ازدراء الحواريّ إياه وتفضيله نفسه عليه . قال فأوحى اللّه عزّ وجل إلى عيسى ابن مريم أن مر الحواري ولص بني إسرائيل أن يأتنفا العمل جميعا : أما اللص فقد غفرت له ما قد مضى لندامته وتوبته ، وأما الحواري فقد حبط عمله لعجبه بنفسه وازدرائه هذا التوّاب . قال وهيب : وبلغنا أن الخبيث إبليس تبدى ليحيى بن زكريا عليهما السلام فقال له : إني أريد أن أنصحك . قال : كذبت أنت لا تنصحني ولكن أخبرني عن بني آدم . قال : هم عندنا على ثلاثة أصناف : أما صنف منهم فهم أشدّ الأصناف علينا ، نقبل حتى نفتنه ونستمكن منه نم يفزع إلى الاستغفار والتوبة فيفسد علينا كل شيء أدركنا منه ، ثم نعود له فيعود فلا نحن نيأس منه ولا نحن ندرك منه حاجتنا . فنحن من ذلك في عناء . وأما الصّنف الآخر فهم بين أيدينا بمنزلة الكرة في أيدي صبيانكم نتلقفهم كيف شئنا . فقد كفونا أنفسهم . وأما الصنف الآخر فهم مثلك معصومون لا نقدر منهم على شيء . فقال له يحيى : على ذاك هل قدرت مني على شيء ؟ قال : لا إلا مرة واحدة فإنك قدّمت طعاما تأكله فلم أزل أشهيه إليك حتى أكلت أكثر مما تريد . فنمت تلك الليلة ولم تقم إلى الصلاة كما كنت تقوم إليها . قال : فقال له يحيى لا جرم لا شبعت من طعام أبدا حتى أموت فقال له الخبيث : لا جرم لا نصحت آدميا بعدك .